تركيا: البحث عن جيري أدامز
كردي
نزار آغري الحياة - 25/05/08//
لماذا استطاعت بريطانيا أن تتوصل إلى إيجاد حل لمشكلة إيرلندا
الشمالية التي ظلت تخيم على الحياة السياسية والبريطانية عقوداً
طويلة فيما فشلت تركيا في التخلص من مشكلتها الكردية؟
هناك جوانب متشابهة في المشكلتين الإيرلندية والكردية، فهما تطلان
على ما هو قومي واجتماعي وثقافي وطبقي. وأوجه التشابه تمتد إلى
الجانب المأساوي من جهة العنف الدموي الذي مارسه الجيش الجمهوري
الإيرلندي ومازال يمارسه حزب العمال الكردستاني. واتكأ التنظيمان،
الجيش السري الإيرلندي والحزب العمالي الكردستاني، على
الإيديولوجية القومية مصبوغة باللون الماركسي حيث اختلطت مقولة
«حركة التحرر الوطني» بشعارات من قبيل النضال الطبقي وهيمنة الطبقة
العاملة وقيادة الحزب الطليعي وما شابه.
ورفع التنظيمان شعار الوحدة القومية فدعا الجيش الجمهوري الإيرلندي
إلى توحيد شطري إيرلندا الجنوبية والشمالية فيما وضع حزب العمال
الكردستاني نصب عينيه توحيد الأجزاء المبعثرة من كردستان لإنشاء
دولة اشتراكية موحدة.
وأقـام التنظيمان علاقـات متشعبة مع جهات عالمية قـدمت لهما الدعم
والمساندة كما أنهما لم يـترددا في اتباع أساليب متطرفة سواء في
معاملة التنظيمات الأخرى أو في معاملة المخالفين في الرأي داخل
الحزبين. وأقام الحـزبـان ما يـشبه الذراع السياسي لهما ليكون
امتداداً «شرعياً» يعمل داخل البرلمان في كل من بريطانيا وتركيا.
وهذا كان حال حزب شين فين الإيرلندي وحزب المجتمع الديموقراطي
الكردي.
وواصلت الجماعتان، الإيرلندية والكردية، العمل في المسارين العنفي
والبرلماني إلى أن تمكن الجيش الجمهوري، جنباً إلى جنب شين فين، من
تحقيق إختراق كبير في الساحة السياسية البريطانية حين تبنى خطاباً
جديداً واستعمل لغة مختلفة وتمكن في النهاية من الوصول إلى الغاية
المرسومة فتوقف العنف واختفت مشاهد التفجيرات وتحقق الحل السلمي
المنشود. أما حزب العمال الكردستاني فما زال هناك، يحمل العدة
ذاتها ويلهج بالخطاب العنفي ذاته ويواصل ممارسة «الكفاح المسلح»
فيما حزب المجتمع الديموقراطي يتبعه كالظل ولا يدري ماذا يفعل
بنفسه.
لماذا حصل الانفراج في بريطانيا وفشل في تركيا؟ من الصعب تلخيص
الجواب في بضعة أشياء. فرغم أوجه الشبه الكثيرة في ما يخص النزاع
بين المركز، في لندن وأنقرة، والطرف في إيرلندا الشمالية وجنوب
شرقي تركيا (كردستان تركيا) فإن ثمة فرقاً بنيوياُ في الفضاء
الديموقراطي لكل من بريطانيا وتركيا.
بريطانيا واحدة من أمهات الديموقراطية في عالمنا المعاصر في حين
بقيت الديموقراطية التركية رهينة الاستبداد والانقلابات
والإيديولوجيات الشمولية. وفي حين تتمتع المقاطعات المتعددة
المكونة للمملكة المتحدة بنوع من الاستقلال الذاتي (اسكتلندا وويلز
وإيرلندا، التي لكل واحدة منها برلمانها المحلي) فإن مجرد الحديث
عن حالة كردية في تركيا ما انفك يعتبر من المحرمات.
كان في بريطانيا على الدوام أساس راسخ من البنيان الديموقراطي الذي
يتيح للآخر أن يعلن عن نفسه ويشهر هويته في حين تأسست تركيا على
مبدأ إقصاء كل هوية أخرى ماعدا الهوية التركية.
وهكذا انتظر الجميع فرصة تاريخية وأشخاصاً تاريخيين ممن يتحلون
بالشجاعة ويتمتعون بروح المبادرة في التدخل لتصحيح مسار الأشياء.
تهيأ ذلك بتسنم توني بلير سدة الحكومة في بريطانيا. وكان لابد من
ظهور من يوازيه على الجانب الإيرلندي. وتحقق ذلك في شخص جيري أدامز
الذي كان غدا رئيساً لحزب الشين فين في عام 1983 هو المولود عام
1948 في بلفاست من عائلة كاثوليكية. كان جيري أدامز انتسب إلى شين
فين عام 1964 واعتقل عام 1971. وبعد الأحداث الدموية عام 1973
اعتقل ثانية وحكم عليه بالسجن وفي أثر خروجه تزعم جناحاً يدعو إلى
نبذ العنف. وبعد مسيرة مضنية من المفاوضات تم التوصل الى اتفاقية
نهائية على يد حكومة بلير وجرى منح نوع من الحكم الذاتي لايرلندا
الشمالية وصار لها برلمان مستقل.
في تركيا تفاءل الكثير من الترك والكرد معاً حين ظهرت على المسرح
السياسي الناشطة الكردية ليلى زانا. كانت وجهاً جديداً في المشهد
السياسي الكردي وكانت طافحة بالحماس. انضمت إلى حزب الاشتراكية
الديموقراطية التركية غير أنها انسحبت منه مع مجموعة من رفاقها من
الكرد وعمدت إلى تشكيل حزب العمل الديموقراطي.
شبه الكثيرون ليلى زانا بجيري أدامز وتنبأوا لها بمستقبل سياسي
شبيه بمستقبل السياسي الإيرلندي. غير أن هذا لم يتحقق، ولن يتحقق
أبداً على الأرجح. فبدلاً من استثمار الفرصة لشرح الشأن الكردي
للراي العام التركي بلغة هادئة وبأسلوب مرن عمدت إلى اتباع سلوك
صدامي يتعمد الاستفزاز والإثارة. لقد خلقت النفور بدلاً من
التعاطف. حكم عليها بالسجن خمسة عشر عاماً. وحين خرجت مضت نحو
المزيد من التصلب والراديكالية. هكذا لم تسطع القيام بمبادرة
تاريخية تؤهلها لتسنم قيادة قضية أكراد تركيا رغم أن التاريخ هيأ
لها المسرح والتوقيت. ما برحت ترفض القيام بدور البطل الرئيسي
وتفضل بدلاً من ذلك أداء دور التابع الذي يجلس على كرسي الانتظار
لملء الفراغات التي يتركها البطل وراءه.
كاتب كردي الحياة - 25/05/08