|
السودان وما أدراكم ما يجري
فيه...!؟.
نـوري بـريـمـو
جريدة الصباح الجديد
ما يحدث اليوم في بعض بلداننا الشرق أوسطية كالعراق
ولبنان وكوردستان تركيا وفلسطين والسودان والصومال
واليمن وجيبوتي والمناطق الكوردية في سوريا وفي غيرها
من أحداث عنفية متفرقة تـُسفـَك فيها دماء الأبرياء
ليست بالأمر المفاجئ...!؟، ففي السودان ـ الذي هو
موضوع مقالتنا هذه ـ مثلاً سبق وأن دق ناقوس الخطر في
ذلك البلد الإفريقي المتمخـّض منذ عقود زمنية كانت
حبلى بالمشاكل في الجنوب والوسط والغرب والعاصمة،
والذي زادت طينته بلـّة عندما غزت قوات الحكومة ديار
إقليم دارفور الآمنة التي لطالما عانت من المآسي
والويلات وإستغاثت بالرأي العام العالمي حتى إستقطبت
الأنظار ونالت إهتمام الأسرة الدولية التي أصدر مجلس
أمنها قراراً دولياً يلزم الحكومة السودانية بوقف
الهجمات العنصرية التي ترتكبها هناك بنفسها وعلى مركوب
جحافل الجنجويد...!؟، إلا أنّ نظام البشير كان ولا
يزال يعلن براءته من حملات التطهير العرقي تلك وينفي
إرتكابه لأية فظائع ضد الدارفوريين ويرفض أي تدخل
خارجي في شؤونه الداخلية ويعتبر بأنّ ما يجري في
دارفور هو ملف محلي ولا يجوز لأية جهة خارجية المساس
به أو التباحث فيه...!؟، ليس هذا فحسب وإنما زادت
الحكومة من حدّة شوفينيتها وضراوة همجية قطعان
الجنجويد ضد الدرافرة المحتقـَنين والمدافعين عن
أنفسهم بعد أن باتوا منكوبين جماعياً ومثكولين
بأبنائهم الضحايا ومفجوعين بأرضهم المحروقة عرقياً
ومطوّقين في مناطقهم المحاصرة سودانياً...!؟، في حين
لم يبقى أمام أهل دارفور سوى لمّ شملهم والبحث عن
مخارج دفاعية تنقذهم من قبضة مخالب الجنجويد الذين تقف
وراءهم الحكومة المركزية...!؟.
وبالفعل فقد حصل ما كان متوقعاً...!؟، فالضغط السوداني
المتواصل قد ولـّد إنفجاراً دارفوياً صاحبَـه إنفجارات
عرقية وطائفية وسياسية عديدة تكاتف أهلها مع بعضهم
وتضامنوا فيما بينهم ويبدو أنهم قاموا بالتنسيق معاً
على شكل جبهة سرية معارضة لنظام الخرطوم الطاغي منذ
سنوات على بلاد وعباد منابع نهر النيل وواديه الغني
بمختلف الثروات الباطنية والظاهرية...!؟، فقد شنت
مجاميع المعارضة المتوافقة ديموقراطياً هجمات مسلـّحة
قوية وعنيفة ولم يسبق لها مثيل في تاريخ السودان على
ضواحي الخرطوم التي فرضت حكومتها حظراً للتجوّل لأجل
غير مسمى على ضاحية أم درمان الغربية التي استهدفها
الهجوم الرئيسي...!؟، إلى ذلك هدّدت المعارضة بمواصلة
هجومها وتمركزه على الخرطوم نفسها حتى تسقط حكومتها
التي وصفوها بالعنصرية والإستبدادية.
وبالمقابل كادت السلطة المركزية أن تفقد توازنها، حيث
لم تحتكم للعقلانية والحوار والحلول السياسية وإنما
عاودت كعادتها بإستخدام القوة العسكرية لإحباط الهجوم
المفاجئ الذي هدّد أمنها لكنه لم يهز كرسي الحكم حتى
الحين، وأقدمت بلا حساب على إعتقال وتوقيف الزعيم
الإسلامي الدكتور حسن الترابي ومن ثم أفرجت عنه بعد
سجنه لساعات قليلة بحجة أنّ للترابي صلات سرية مع
المهاجمين المتوافقين مع حركة العدل والمساواة التي
باتت تحظى بمباركة شعبية وبتأييد مثيلاتها من الحركات
الأخرى المتضرّرة من جَور سياسات النظام الحالي...!؟،
ونظراً لتفاقم أوضاعها أيضاً أعلنت الحكومة السودانية
على الفور كمن فقد صوابه السياسي بقطع علاقاتها
الدبلوماسية مع جارتها الغربية تشاد بتهمة دعمها
اللوجستي لهذه الحركات المسلحة المناهضة لحكم
البشير...!؟، ما أدى إلى إندهاش المهتمين بالشأن من
مغبة إستعجال السلطات السودانية في خطوتها الإعتباطية
التي قد تؤدي للمزيد من ردود الأفعال لدى الحكومة
التشادية التي نفت بشكل رسمي أن تكون لها أية علاقة
بالهجمات الأخيرة وعبّرت عن دهشتها بهذه المقاطعة التي
لم يسبقها أي تحقق من مدى دقة وصحة التهمة.
ويوحي الراهن السوداني بأنّ هجمات المعارضة قد تتوسّع
لتمتد إلى قلب العاصمة في وقت لاحق وليس متأخر حسبما
تتوعّد به بعضاً من قيادات المعارضة التي أدلت
بتصريحات قوية يُشتـّمُ منها رائحة المثابرة على
مضاعفة جهودها للقيام بأعمال تصاعدية شاملة من شأنها
تنشيط الحراك وتوتير الأجواء بقصد توسيع نطاق ودائرة
الأحداث لإرباك الحكومة والضغط عليها ولثنيها على
القبول بمطالب المعارضة التي يبدو أنها سوف تضطر
لتدويل قضاياها بعد أن يئست من حلها داخلياً وعربياً
وإفريقياً...!؟،
وللعلم فإنّ هذه الأحداث التي باتت تداهم السودان أتية
بلا ريب على خلفية إهمال الحكومة المركزية لمناطق
الجنوب الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية لتحرير
السودان وأيضاً المناطق الغربية التي تشمل دارفور
وأخواتها من الأقاليم الفقيرة النائية التي لاقى فيها
عشرات الألوف من الأهالي حتفهم جوعاً وقتلاً، وأكثر من
مليونين ونصف إضطروا للهجرة القسرية والتشرد بسبب
المجاعة المستشرية ولدواعي عنفية عنوانها القتل العام
على الهوية العنصرية...!؟.
ويبقى التساؤل الأهم هو: هل هنالك جهة عربية أو
إفريقية أو دولية تفكر جدياً بمساعدة شعوب السودان لحل
مشاكلهم العالقة لا بل الناشبة بفعل المسلكية الشمولية
لنظام حكمه المركزي القابض على البلد بالحديد والنار
منذ سنوات سودانية لا يمكننا تسميتها سوى
بالعجاف...؟!، وهل ثمة مستفيد من إستفراد نظام البشير
بالأقوام الأخرى المبتلية بالعيش في سودان يسوده لون
واحد على حساب الألوان الأخرى...؟!، في كل الأحوال
ينبغي إيقاف نزيف الدماء السودانية سواءً أكانت عربية
أو غير عربية أو إسلامية أو مسيحية أو دارفورية
أوغيرها...!؟. |