Hûn Bixêr Hatine Malpere cindirês ê

 

Gurzo Abbas –Abbas18/02/96-Aachen

عندما تجف الينابيع
عباس عباس
02-08-2008
Gurzo
كان يجب أن ينتقل إلى المدينة, ففي عدد المرات التي زار فيها مدينة قامشلو, تعجب في الوهلة الأولى من حركة البشر غير الاعتيادية, إلا انه أدرك بعد ذلك انه في المدينة وليس في قريته التي لا تتجاوز عدد الناس فيها سكان شارع من شوارعها, والكل هنا مفروض عليهم العمل, من الصباح حتى المساء, وان لزم الأمر ففي المساء أيضاً, حسب ما نقل إليه صديقه الذي تصادفا في القطار, الذي نقلهم إلى المدينة .
الكل هناك يعمل والكل يجد ما يعمله, ولا يحتاج الانتظار كما هو عليه حاله في القرية, حتى فصل الصيف لكي يعمل في حقول أهل القرية, وما تبقى من فصول السنة, فيقضيها مشادة كلامية بينه وبين زوجته, على خبر الانتقال للمدينة, هي خائفة وهو يطمئنها, وانتهت المشادة بقبول المرأة والخضوع لقرار صاحب الأمر!....
شاهين أوسي, لا يزال في البدايات من سن الرجولة, أب لثلاثة صبيان وبنت, زوجته ابنة مهرب لدخان وأحياناً السلاح, الخوف فيها متأصل منذ نعومة أظفارها, والدها الذي كان ينتقل بين سورية و تركيا أو العكس, عبر ألغام لا يعترف بها, بعد أن شطرت قرى أهله وعشيرته شمالا وجنوباً, ينقل هنا وهناك الدخان والسلاح, يعيل بما يجنيه من هذا الرعب, أطفاله الصغار .
أمها التي كانت تنتظره بلوعة وخوف حتى ساعة عودته, تستقبله بحرارة, بدون أن تنسى ما تكرر له دائماً عن خوفها عليه .
تزوجت ابنته الكبرى سينم, بشاهين, وهو ابن عم له, وبضرورة العاطل عن العمل, بعد أن انتقل إلى المدينة وخاب ظنه في إيجاد عمل, لم يجد البد إلا أن يشاركه في التهريب!....
بصوت فيه الكثير من الرعب والأسى, قالت:
- شاهين.... كنا نأكل لقمة الخبز الذي كان يأتينا به والدي من عمله في التهريب مع الخوف,
وكثيراً ما كان لخبر سيء أن يستعصى اللقمة في الحلق.....أرجوك قم بعمل أخر, فالمدينة كبيرة وفيها الكثير من الأعمال, ولا تطعم أطفالي لقمة الخبز مع الخوف, كما كان والدي يفعل!....
ضحك شاهين حينها من خوف زوجته غير المبرر, لف رقبتها بزراعه, لكي يقربها منه, وكأنه يريد أن يقول شئ ما في أذنها :
- أنا لست بحماقة والدك؟!....
أبعدته بقوة عنها وهي تقول منزعجة:
- لا تقل عن والدي هكذا.....
- أسف عزيزتي, لم أقصد ذلك, ولكن....
- ولكن ماذا؟...
- عمي, والذي هو والدك, كان يعبر الألغام, ويتعرض لجنود العدو هنا وهناك, كان يعرض نفسه للموت في كل مرة , لهذا أنت خائفة عليّ!....
لم تدرك مقصده من كل هذا الكلام, والشئ الذي قاله ليس بجديد, لذا نظرت إليه باستفهام, مستفسرة عما يعنيه بقوله هذا؟!..
سعل وهو يحاول تنظيف حلقه من أثار الدخان فيه, ثم قال وهو يبتسم :
- التشديد على الحدود التركية بعد إعلان الآبوجيين الحرب على الدولة التركية لا يطاق, والآن من المستحال المرور إلى الطرف الآخر عبر الألغام كما كان يفعل والدك!....
ملامح الدهشة طغت في وجهها على ملامح الخوف, وهي تسأله عن الطريقة التي يجني فيها هذا المال الذي بين يديه؟!...
تركت له حرية ضمها إلى صدره, فقط ليسمع منه عن السر الذي يجني من خلاله هذا المال, بعد أن التصقت به قال بصوت الواثق من ذكائه:
- لقد توصلت مع أصدقائي في مدينة نصيبين إلى طريقة سهلة جداً وبدون أية مخاطرة , ننقل بها ما نريده من بضاعة!...
بين دهشة وارتياح, حاولت وبدون صبر أن تسمع عن تلك الطريقة.
- نترك ما نشتريه هناك مع نهر الجغجغ, ومن ثم نلتقطه في الجهة الثانية من الأسلاك الشائكة!....
الدهشة والإعجاب امتزجا, لتعطي شيئاً من راحة البال, مع ذلك سألته عن الطرف الأخر, وجريان ماء النهر هو في غير مصلحتهم:!....
- نأخذ من هنا ما هو مسموح لنا به, عندما نعبر الحدود من الباب الرسمي, أما من هناك ولكي لا ندفع للجمارك, نترك ما نشتريه عبر النهر ونعود بالخفيف معنا!....
لأول مرة في حياتها تنام سينم بدون أن تخاف على والدها أو زوجها, مع ذلك كانت مصرة دائماً وبتكرار الطلب, أن يغير عمله في التهريب , ويعمل في عمل أخر لا خطر منه!...
- الأعمار بيد الله يا سينم خان!...
بين جد وسخرية, وهو يردد هذه المقولة, التي تعطي المبرر لكل مجازفة غير مضمونة النتائج, مع ذلك تصر عليه, وتعدد الأشخاص وبالاسم, من الذين سقطوا ضحايا للتهريب ولتلك الألغام اللعينة , بين فاقد لقدمين أو لقدم, على ألطف ضرر.
هو يدرك حجم المجازفة في نقل البضائع عبر تلك الحدود, فهي ملغومة وليس هناك كلمة معبرة عن ذالك الخطر أكثر من كلمة ملغومة, فقد بدأ مع عمه في نقل أكياس الشاي على ظهره وقطع بها عبر تلك الألغام, وكان يعيش الموت في كل لحظة, وهو يسمع صوتاً تحت قدمه, ظاناً به تكأة لغم لعين!...لذا لا يمكن له إلا أن يعطي الحق لقلق زوجته عليه , أما الآن وبعد استخدامهم النهر كوسيلة ناجعة لتهريب ما يستطيعون تهريبه, فلا يجد أي مبرر لخوف زوجته, وقد شرح لها ذلك مراراً, ووبخها بعنف في أخر مرة كررت له عن خوفها عليه .
أن يكون الإنسان قنوعاً, تفرضه رغد الحياة أو بؤسه, وشاهين عاش مع والديه وأخوته الستة بؤس الحياة ومرَّ فقره, ولم يكن له الخيار وهو طفل وأخوته, إلا أن يكتفي بما تقدمه أمه كوجبة غداء أو عشاء, حتى ولو كانت كسرة خبز مغطاة بملح وقطعة ثوم مسحوق عليها!....
واليوم ينتقل بين طرفي حدود, لا يفقه شئ عن سبب أو الأسباب التي أدت إلى وجود هذا الجدار اللعين بين الأشقاء, سوى غضب الأتراك على الكرد, حتى أنه لم يفكر أو يسأل أبدأ عن سبب غضبهم ذاك!.....وقد توسعت حلقة معارفه, وطور بعض الشئ من ثقل ونوعية تجارته, وكنتيجة حتمية لهذا كله أن يكون الربح من نصيبه, بل بدأ يدرك ما تعنيه, أن يكون الإنسان غنياً و صاحب مال , والقناعة التي كانت تنتهي عند شاهين, بكسرة خبز وضرس ثوم مسحوق, زاد من ملوحته أوراقٌ مالية أصبحت تتكدس لديه فوق بعضها البعض, وهو يبغي المزيد, وهو حق تجاري مشروع لا يتقنه إلا من تحكم وتمكن من ينبوع تدفقها, وشاهين وبعد عدة سنوات له في هذه التجارة, تمكن جيداً, واستطاع أن يتحكم بخطوط تجارته عبر الحدود, بعد أن أشبع رغبات من هم أولى الأمر عليها, بالرشوة وتقسيم الأرباح, وعلى طرفي الحدود, السوري والتركي!..

خبر عاجل ومزعج:
- كل الذين تركوا بضاعتهم عبر النهر, لم يتلقفها أحد من الطرف الثاني, ولا أحد يعرف السبب!...
انتشر الخبر بين المهربين كالنار في الهشيم, وهمهم لم يكن ما فقدوه, بقدر ما كان السؤال الذي حيرهم, السبب عن عدم وصول بضاعتهم إلى تحت الخط , كما يحلو للأكراد أن يسمو القسم المحتل من سوريا, تحركت خطوط الاتصال بن المهربين ورجال الجمرك التركي, وأخيراً توصلوا إلى السبب والذي كان متوقعا من الكل .
- ضابط جديد لم نطعمه بعد, وضع أسلاكاً حلزونية كثيفة تحت الجسر الذي نترك من عليه البضاعة, ولا يمكننا أن نفعل شيئاً حتى نصل معه إلى اتفاق .
هذا كل ما دار بين المهربين والقائمين على خطوطها من رجال الجمارك المرتشين عبر الوسطاء!...
دخل شاهين عند المساء على زوجته وهو يلعن ويشتم بدون تحديد, وهي صامته حتى إنها لم تسأله من كان يقصد بتلك الشتائم, فهي الخبيرة بتلك المواقف التي كثيراً ما كانت تمر بها مع والدها, لذا وضعت أمامه صفرة الطعام, حملت ابنتها وخرجت بصمت من البيت قاصدة الجيران, لتتسلى وتنسى ما سمعت من زوجها !...
طالت فترة المفاوضات بين الوسطاء والضابط الجديد, المرعوب من الرشوة والمرتشين كما كان يتظاهر, والأيام التي مرت على شاهين كانت كافية أن تدمر أعصابه وأن تفقده التوازن في تعامله مع من حوله حتى زوجته وأطفاله .
- لست بقومندان تركي حتى تنفخ بغضبك في وجهي كل صباح ومساء!...
صرخت في وجهه وهي تحوم حوله من غرفة إلى أخرى .
- أنا أخسر كل يوم وأنت غير مبالية, تبذرين يميناً وشمالاً, أمر لا يطاق .
- كنت لا تشبع الخبز, واليوم تتكلم عن الخسارة!....أي خسارة تتكلم عنها؟!....أما يكفيك ما جمعته حتى الآن؟!...
ظهرت الحقيقة المُرّة غير المتوقعة من المرتشين من رجال الجمارك , أما وقع الأمر على شاهين وزملائه من المهربين فكانت كالصاعقة, شلت حركة تجارتهم والى أمدٍ بعيد, فقد كان أمر إغلاق بوابة الجسر بتلك الأسلاك, متعلقاً بثورة الكرد, بحركة مقاتلين حزب العمال الكردستاني, الذين استفادوا بذكاء و إلى أقصى حد من تلك الفجوة في جدار حراسة الحدود التركية, في نقل السلاح وتنقل المقاتلين!....
بعد أشهر من التداول والتقارير المرسلة إلى أنقرة, عن تحرك المقاتلين الكرد عبر تلك المعابر المائية, قررت تغير مجرى كل الأنهر التي تنبع من أراضيها وتتجه نحو سوريا !...
جفت الأنهر وبعد أن كانت كخيوط خضراء, وهي تربط بين طرفي الوطن الجريح, أصبحت الآن كطرق ترابية ذات تربة حمراء كالدم .
لم تكن الأنهر هي وحدها التي كانت قد جفت ينابيعها, بل حركة تجارة شاهين أيضاً, ولما لم يكن بذلك الذكاء التجاري, البعيد عن عقلية مهرب, لم يبحث عن وسيلة أخرى للربح, كما كانت زوجته تلح عليه, وبعد أشهر على حزنه الصامت, لم يجد أمامه سوى أن يحمل ما يستطيع حمله, وأن يتجه نحو الحدود الملغومة , وهو يلعن مثل كل المتضررين من رد الفعل التركي الهمجي على حركة التحرر الوطني التي كانت قد بدأت بالمسير .
في اليوم الثاني, كانت دبابة تركية تجر ورائها جثة رجل مربوط بحبل من قدميه, كان قد تجاوز لوحة إنذار عن شريط حدودي ملغوم, لم يستطع قراءتها!....
دفن شاهين بيد جنديين تركيين في مكان مجهول, ودفن معه سؤال لم يخطر بباله أبدأ :
- من كان وراء عدم قدرته قراءة لوحة الإنذار؟!.....هل الأتاتركية أم الآبوجية؟!....

 

صور جندريس

عناوين ومواقع

شعر

مقالات

موسيقى

Be§eê Kurdî-القسم الكوردي