|
  |
|
لوحة الخلفية للفنان العالمى بيكاسو |
التقمص
عباس عباس
التقمص في الفن, عمل إبداعي رفيع المستوى, لا يتمكن
منه إلا المبدع المقتدر, فكم شاهدنا ممثلين مبدعين وهم
يؤدون أدواراً لشخصيات تاريخية في مسرحية أو رواية
كتبت بقلم مبدع!..
والإبداع في الكتابة والتمثيل متكاملين, إلا أن الممثل
حين تصل به عبقريته إلى درجة التقمص الشبه المطلق,
حينه نرى الواقع أمامنا بكل تجلياته, بحيث نعيش الحدث
وكأننا جزء منه .
أما التقمص في غير الفن, إما أن يكون تحايلاً, كأن
يتقمص شخصٌ محتال شخصية ما, يبغي من ورائه كسب مال
حرام, أو تمريراً لأمر ما, يراد به خيراً أو شراً.
أما بالنسبة لي, ففي الحالتين أجد نفسي فاشلاً , فلست
ممثلاً مبدعاً ولا محتالاً بارعاً, إلا أن الرغبة
الجامحة في نفسي, أن أتقمص زعماء من تاريخ أمتي أو
شخصيات تعيش بيننا, تدفعني إلى المحاولة, وأن أستغل كل
إمكانياتي ومواهبي لإشباع هذه الرغبة!...
ولما وجدت أن الأمر ليس سهلاً, حاولت إجاد البديل عن
التمثيل والتحايل, والبديل السهل والممتع والذي أتقنه
أحسن ما يمكن الإتقان, كان الحلم, ولكن ليس في النوم
إنما في اليقظة, أي في أحلام اليقظة, والتي أتقنها
أفضل ما يكون, إلى الدرجة التي أجد نفسي فيها مبدعاُ
وبارعاً, خاصة بعد أن اشتد علي ألام الهجر, وحاولت
مراراُ الهروب من واقعه الأليم إلى الفضاء الذي كنت
أنا إلهه, أصنعه بنفسي, أحرك شخوصه كما أشتهي, المنتصر
فيه أنا أو من يمثلني .
وفي النهاية وجدت نفسي متقن وبارع في الأحلام اليقظة
إلى درجة الهوس!....
كمبتدأ استفدت من هذه الموهبة بإشباع رغباتي الذاتية,
الجنسية والمعنوية وحتى المادية البعيدة عن الواقع,
فكم شاركت جميلات السينما, بقصص يعجز عن تدوين
سيناريوهاتها أعظم الكتاب, وكم فزت بجميلة مجال اللقاء
بها معدوم, وكم كانت الحلول لأماني أمتي, بقدراتي سهلة
المنال, وكم بناءٍ شيدته لأفراد عائلتي بمصباحٍ
سحري؟....وكم....وكم.....حتى أتقنت بإبداع, عملية
الهروب من الواقع إلى الحلم في اليقظة, المستجاب
لرغباتٍ لانهاية لها .
وأخيراً وبعد أن هدني الإشباع, وأنا أنتقل بين
الرغبات, وجدتني وطنياً يحمل لواء
الحرية, أنتقل من ثورة إلى أخرى, من الثورات التي كثرت
في وطني!.....من قديمها المنهارة المتعفرة بدماء
عظمائها, إلى الآني وهي تعارك غيلان الاستحالة .
من العليين, الرضا و الشير, إلى الشيخين محمود الحفيد
والبيران حتى البر زاني العظيم , وأنا أخوض تجاربهم,
ولم أنل سوى الحسرات وخيبات أمل من أمة فيها من الباعة
أضعاف الشارين
والبيعة تتم ببخس الأسعار, والنتيجة إطالة عمر نخاس
عربي هنا أو مصاص دماء تركي أو فارسي هناك.
ولما لم تسعفني مخيلتي من تجاوز قساوة الذي فات, اتجهت
إلى ألآت .
شابة كردية في مقتبل العمر, بهية الطلعة, حسن الوجه,
مثقلة بالعتاد الحربي, تجتاز قمة جبل أشم من جبال
كردستان, تفاديا للقاءٍ غير متكافئ, أو لفخٍ محكمٍ
تنصبه للعدو, بروية وتأني .
ولما رغبت أن أعيش الواقع بكل تجلياته, قررت أن أحمل
ثقلاً يوازي ما تحمله, وخرجت في ليلة ظلماء, أجتاز
الثلج والصقيع الشتوي بحذاءٍ لا تملكه تلك الشابة إلا
بذخاً .
واشتد الزمهرير, واحتوى الصقيع قدماي إلى الركب, و أخذ
مني ما لا أستطيع بدونه الاستمرار,
العنفوان والإرادة الفولاذية ,ولأول مرة تخونني مخيلتي
في التقمص, وهبطت الحضيض ولم أستطع مجاراة عظمة لبوه,
أبت العيش فيما أنا عليه من مذلة الهجر والسؤال!....
تركتها يائساَ وانتقلت إلى الجنوب, حيث الباعة في
منافسة وطنية, يقل النظير, وبحثت من بينهم عن أشمٍ غير
ذليل, فالتقيت بنفسي.... بكيت, فأنا أدرك المصير!....
|