انتفاضة استقلال كوردستان
1925
عبد الرحمن آﭘو الحلقة الأولى
بعدما أن وضعت الحرب العالمية الأولى ( 1914-1918 ) أوزارها, وما
رافقتها اتفاقاتٌ ومعاهدات دولية, وظهور بوادر, وملامح التقهقر
الجدّي للإمبراطورية العثمانية أمام دول الحلفاء, التي ما ادّخرت
جهداً, إلا واستخدمته في سبيل إسقاط السلطنة العثمانية نتيجة
تماديها شمالاً وجنوباً, وتخبطها المقلق على الساحة الدولية آنذاك,
بالإضافة إلى الدافع الأهم...ألا وهو الحفاظ على مصالحها
الإستراتيجية, ولتقاسم تركة ( الرجل المريض ), إن تلك النتائج كانت
الحافز القوي لتحرّك الشعوب, والقوميات التي كانت خاضعة للسلطنة
العثمانية, لتستفيد من الظروف الدولية الجديدة, ولتأكد ذاتها بعد
اغتصاب كياناتها وذواتها لقرون عديدة, واستغلال الفرصة الذهبية
السانحة بغية تحرّرها من نير العثمانيين. وبعد استلام الطورانيين
الجدد ( الكماليين ) الحكم في أنقرة, ونتيجة للنهج الشوفييني
المتبناة من قبل الغلاة الجدد ممثّلاً (بحزب الاتحاد والترقّي
التركي ) تحرّك الكورد على أكثر من صعيد.
لقد شهدت الساحة الكوردية من قبل ثورات وانتفاضات عدّة, وكلّها
شكّلت فيما مضى الحجر الأساس لكوردستان مستقل منتظر, وكدليل إدراكٍ
ووعيٍ تام لشعبنا الكوردي لواقعه المزري, وكخطوات رائدة, نحو أفقٍ
أكثر استقرار, وسعيٌ دءوب لبناء الإنسان الكوردي الحر المستقل
الكريم على أرضه كوردستان.
ظروف الانتفاضة:
تحتلُّ انتفاضة الكورد 1925 حيّزا ًمهمّا في التاريخ النضالي
لشعبنا الكوردي, وتجربة مهمة أيضاً عبر المراحل الكفاحية المستمرّة
للحركة التحررية الكوردية, ولعلّ الميّزة الأساسية لهذه الانتفاضة
هي طابعها القومي الصرف الشامل, وإن تحرّكت تحت عباءة الدين كستار,
حيث عملت الانتفاضة تحت شعارين :
تطبيق الشريعة, واحترام الإسلام وتحرير الدين من الكماليين.
تشكيل دولة كوردية مستقلة عاصمتها ( ديار بكر ).
يعود تاريخ التحضير للإنتفاضة إلى بدايات العشرينيات من القرن
الماضي، حيث تشكلت عدة هيئات وجمعيات سرية كوردية وخاصة في المدن
الكبرى ( استنبول) ونتيجة للظروف الدولية, واتفاقات الدول الكبرى,
وكعامل رد على الاتفاقية التآمرية ( لوزان 1923 ) التي أتت على
كامل اتفاقية ( سيفر1920 ) الدولية, التي أقرّت الحقوق القومية
للشعب الكوردي في كوردستان ...اجتمع بعضٌ من الشخصيات الكوردية
المرموقة في الجيش, وبعض المثقفين بتاريخ 25\3\1923\ لتوحيد
جمعياتهم وهيئاتهم, بغية التصدّي للمرحلة الجديدة التي حملت في
طياتها وجوانحها كلّ التآمر على الشعب الكوردي, وفي 21 أيار
1923تمّ الإعلان عن تشكيل ( جمعية استقلال كوردستان ) حيث انتخب (
العقيد خالد جبري بك ) رئيساً لها, إلى جانب شخصيات كورية مثقفة
انتخبت في قيادة الجمعية أمثال ( الدكتور فؤاد, والصحفي كمال فوزي,
والنائب السابق في البرلمان التركي عن بدليس السيد يوسف زويا,
وغيرهم, عبر مؤتمره التأسيسي العام ليعلن عن ميلاد أوّل تنظيمٍ
سياسيٍ كوردي في كوردستان – تركيا, وببرنامجٍ سياسي, ونظامٍ داخلي,
حيث تشكلت الجمعية من هيئاتٍ سرية...كلّ واحدة منها تتألّف من
(خمسة أعضاء) وبأسماء حركية, يرأسها شخصٌ من الهيئة العليا, وقد
حدّد النظام الداخلي بنوداً لتنظيم العلاقة بين الهيئات, كذلك حدّد
صلاحيات الأعضاء, والعقوبات , واعتمدت الجمعية راية كوردستان ذات
الألوان القوزحية ( الأخضر والأحمر والأبيض, يتوسطها قرص الشمس
الذهبية و ڊ21 أشعاعٍ نوروزي, حيث كانت من قبل راية ( هيئة حياة
الكورد ) في استنبول حيث صمّمها كلٌّ من الدكتور كمال ومجموعة أخرى
من المثقفين عام (1919 ), لقد كان للعقيد خالد جبري الدور المهم في
إقناع بعض رؤساء العشائر الكوردية للانضمام إلى صفوف الجمعية,
ولعلّ من أهمهم ( حجي موسى زعيم عشيرة – موتيكا - ) وزعيم عشيرة (
حسنانا – خالد حسني بك - ), وقد نجحت الجمعية, وفي فترةٍ وجيزة, من
توسيع قاعدتها وأعضائها, كما استطاعت تكوين خلايا سرية داخل الجيش
التركي, واستمالة بعض كبار الضباط المتنفذين إلى جانبها, وخاصةً
الضباط العراقيين, بغية تنظيم العلاقة مع كلٍّ من بغداد و حلب. و
في اجتماعٍ سرّي بتاريخ (15\8\1923) كلّفت الجمعية السيد ( يوسف
زويا ) وهو من الأعضاء القياديين في الجمعية, وكان نائباً سابقاً
عن بدليس في البرلمان التركي, لإقناع زعماء العشائر الكوردية في
كوردستان للانضمام إلى الجمعية بغية إنجاح النضال المسلح المزمع
القيام به والمخطط له بشكل سري وجيد وكان من أبرز الزعماء الذين تم
ذكرهم للاتصال به هو الشيخ سعيد بيران لما له من مكانة اجتماعية
مرموقة ونفوذ كبير في كوردستان وثراءه المادي وفي 1923\9\20 التقى
السيد يوسف زويا الشيخ سعيد بيران في ( خنيسا ) حيث تم الاتفاق على
الخطوط العريضة للثورة ، وفي تاريخ 1923\12\15 وخلال اجتماع قيادي
مصغّر في (بالو) للجمعية تقرر : 1- السرية التامة في العمل والنشاط
2- تسليح العشائر الكوردية المنضوية تحت لواء الجمعية بشكل كامل و
بمساعدة كل من الشيخ محمود الحفيد وإسماعيل أغا سمكو المتواجدين
خارج كوردستان الشمالية 3- إرسال مذكّرة إلى عصبة الأمم عبر دولة
جارة (سورية) للمطالبة بتقديم المساعدات للكورد 4- تكليف السيد
يوسف زويا للقيام بجولة داخل العمق الكردستاني ولقاء بعض الزعماء
الذين لم يتم التواصل معهم من قبل.
في 5\10\1924\ خريفاً, وصل الثائر يوسف زويا استنبول, والتقى أعضاء
( الحزب الجمهوري التقدّمي التركي) والذي كان غالبية قياداته من
النواب الكورد السابقين وقد لاقى منهم التعاطف الكبير, وكذلك التقى
شخصيات تركية معارضة لمصطفى كمال أتاتورك . لقد أثار تحركات الثائر
استياء, وحفيظة حكّام أنقرة...
وفي 1924\10\20وصل يوسف زويا كوردستان للقاء زعماء آخر عشيرة
كوردية (خورميك) ودعوتهم للإنضمام إلى صفوف العمل الكوردي, الا ّ
أن دودة الخيانة حالت دون نضج الظروف بحالتها الطبيعة فقد تطوّع
صعاليك (زعماء خورميك) لإبلاغ حكام أنقرة عن نوايا الكورد, فما كان
من الطاغية مصطفى كمال
أتاتورك إلاّ أن أصدر أمر بملاحقة أسماء الشخصيات التي توفرت لديه
وكان من بينهم رئيس جمعية استقلال كوردستان (خالد جبري بك) والسيد
يوسف زويا وبعض القادة الآخرين مثل حجي موسى رئيس عشيرة موتيكا,
وفي 1924\11\5 تم اعتقال كلاّ من السيدين (خالد جبري بك) والسيد
يوسف زويا, واقتيدا تحت حراسة مشددة إلى بدليس لتقديهما إلى
المحكمة العسكرية بالإضافة إلى كل الأسماء الواردة في قائمة زعماء
خورميك وبتاريخ 1925\3\1 أصدرت المحكمة العسكرية قرارها القاضي
بإعدام كل من الشهيد(خالد جبري بك) رمياً بالرصاص و ( يوسف زويا )
شنقاً حتى الموت وفي 1925\3\12 تم تنفيذ الحكم الجائز بحق الشهيدين
في ساحة بدليس الرئيسية، وفي فترة الاعتقال(1924\11\20) عقدت جمعية
استقلال كوردستان إجتماعاً طارئاً لاختيار خلفٍ للعقيد خالد جبري
بك, حيث تكونت للقيادة الكوردية صورة الحكم الجائر, ودعوة المحكمة
للشيخ سعيد لحضور جلسات المحكمة كشاهد إلا أنه رفض ذلك معللاً
بوضعه الصحي, وكبر سنه بحق كل من المناضلين الأسيرين نتيجة مساعدة
بعض الموظفين الحكوميين في البريد وتواصلهم مع جمعية استقلال
كوردستان... حيث تم أختيار الشيخ سعيد بيران رئيساً للجمعية,
وأتّخذ الاجتماع قراراً سريعاً ( - ضرورة البدء بانتفاضةٍ شاملة
وتحرير القادة الكورد السياسيين من السجون التركية ), بعد انتخاب
الشيخ سعيد رئيساً للجمعية,...أوفد أبنه ( علي ريزا ) بتاريخ
28\11\1924 إلى ديار بكر, واستنبول, وحلب للقاء القادة الكورد
هناك, وبتاريخ 15\12\1924 التقى في حلب السيد علي ريزا القادة
الكورد وزعماء وأغوات جبل الكورد ( عفرين ) وزعماء العشائر في
الجزيرة, وبعض القادة الكورد من ( تركيا, والعراق, ودمشق ), وتمّ
فيه :
مناقشة الوضع في كوردستان – تركيا.
الانتفاضة المسلّحة هي الطريق الأمثل لحصول الشعب الكوردي على كامل
حقوقه القومية على ترابه كوردستان.
تحديد موعد بدء الانتفاضة في كوردستان – تركيا (21\3\1925 ) يوم
العيد القومي للكورد, ورأس السنة الكوردية – نوروز -.
انتخاب الهيئة القيادية للانتفاضة.
وفي اجتماع عام للجمعية 3\1\1925 في قرية ( كيركيخان) – ناحية بالو
– سرد الثائر علي ريزا حصيلة لقاءاته في حلب واستنبول, وما تمّ
الاتفاق عليه مع قادة الكورد, وقد تقرّر في الاجتماع :
تبنّي ما جاء في محاضر الاجتماعات في كلٍّ من حلب واستنبول.
قبول أقتراح الشخصية الكوردية المعروفة في استنبول ( السيد عبد
القادر ), حول إعطاء العمل الكوردي, طابعاً دينياً كشرط أساسي
لانضمامه .
دعوة كلّ من العشائر الكوردية السنية, والكورد العلويين (قزلباش)
الساكنين في منطقة فارتو – ولاية موش – وخنس –ولاية أرضروم – لحلّ
الخلافات بينهم والانضمام إلى صفوف الانتفاضة.
دعوة عشائر ديرسم ( الزرادشتيين, والزازايين) للانضمام إلى
الانتفاضة, ( إلاّ أنّ هذه الدعوة قوبلت بالرفض من قبل بعض زعماء
عشائر ديرسم, وانضمّ بعض الآخر أمثال : السيد بيطار نوري ديرسمي,
وسعيد ريزا.
تحرّك الشيخ الثائر سعيد بيران للقاء بعض الزعماء في كوردستان
بنفسه, حيث رحّب به الكورد بحفاوة, وفي 5\2\1925 غادر الشيخ ناحية
( لجي, وخاني ) برفقة مائة فارس مسلّح, ومجموعة من الزعماء الكورد
إلى قرية ( بيران ) – ناحية أربخاني – ولاية بينغول, وفي تلك
الفترة قدمت دورية تركية بقيادة الضابط التركي الملازم (حسني
أفندي), وضباط آخرون, وبرفقة عشرة فرسان إلى بيران لمطالبة الشيخ
سعيد تسليمهم مطلوبين كورد من قبل المحكمة الجنائية في بدليس, إلا
أنّ الشيخ رفض طلبهم, وقال: ( آمل ألا تمسوا أحداً بسوء بحضوري,
وعندما أغادر هذا المكان, تصرّفوا كما يحلو لكم ), إلاّ أنّ الضابط
التركي لم يذعن لكلام الشيخ, فحصل صدامٌ مسلّح بين الأهالي الكورد,
والجنود الأتراك حيث قتل ثلاثة ضباط, وتمّ اسر الباقين, هذه
الحادثة كانت الشرارة الأولى للبدء بالانتفاضة قبل موعدها, وعندما
علم الشيخ ( طاهر النقشبندي ) وهو شقيق الشيخ سعيد في ناحية لجي,
بما حدث في بيران حتى بادر إلى الاستيلاء على لجي وكل المراكز
الحكومية فيها, وقدم مع مائتي مسلح كوردي إلى كنج حيث المركز
الجديد للشيخ سعيد بعد أحداث بيران, وسلّم الشيخ سعيد كلّ الأموال
والوثائق المستولى عليها, وفي 14\2\1925 استولى الشيخ سعيد مع عشرة
آلاف كورديٍِ مسلّح على مدينة كنج, وتمّ اسر المحافظ وبعض الموظفين
الحكوميين الأتراك, وتمّ تعيين زعيم عشيرة مودان ( فقي حسان )
محافظاً لكنج, واصدر الشيخ مرسوماً, اعتبر بموجبه مدينة كنج عاصمة
مؤقتة لكوردستان, ومركز قيادة الانتفاضة, واعتبر من ذاك الوقت
الشيخ سعيد صاحب كل السلطات الدينية, والدنيوية,...ونتيجة للأحداث
المتسارعة, عقد مجلس الوزراء التركي في وقتٍ متأخر من ليلة 22
وصبيحة 23 شباط 1925اجتماعاً طارئاً برئاسة رئيس الجهورية وحضره
رئيس الأركان ( فوزي باشا جقماق ), حيث أعلن المجلس حالة الطوارىء,
ووضع الولايات الجنوبية الشرقية تحت الأحكام العرفية, لمدّة شهرٍ
واحد, وقد صادق على ذلك مجلس العموم في البرلمان التركي...., إلى
الحلقة الثانية إنشاء الله:
تنويه :
جميع التواريخ, والأسماء, والأقوال, ووقائع الاجتماعات, مستمدّةٌ
من المصدرين الآتيين:
( سياسة حكّام الأتراك تجاه سكان الأكراد -1924, 1939 معلومات
موجزة عام 1961 لمؤلفه م.آ. حسرتيان)
( انتفاضة الأكراد 1925 – انتفاضة الشيخ سعيد بيران ) أيضاً للمؤلف
المذكور, له جزيل الشكر.
18\7\2008
لتفاصيل اخرى عن حياة وثورة الشيخ سعيد الخالد انقر
