المستقبل - الاثنين 23 حزيران 2008 -
العدد 2996 - رأي و فكر - صفحة 19
محمد السمّاك
يعرف القادة الأكراد في شمال العراق ان مشروع دولة كردستان
الذي بدأ يطل برأسه من تحت ركام الدولة العراقية المترنحة لا
يلقى قبولاً حسناً من الدول المجاورة. فالأكراد في حالة صراع
مسلح مع تركيا. وهم في حالة نزاع مسلح آخر مع إيران. وتركيا
وإيران هما أكبر دولتين في المنطقة. والدولتان تدركان ان قيام
كردستان لن يقتصر على مناطق من العراق وحده، بل لا بد ان
يستقطب كذلك المناطق الكردية في جنوب شرق تركيا، وفي شمال غرب
إيران. ومن شأن ذلك ان يعرّض كلتا الدولتين الى خطر التمزق.
ذلك ان الأكراد في إيران وفي تركيا ليسوا الأقلية الوحيدة
فيهما. هناك اقليات عديدة اخرى. فاذا فتح الباب أمام عملية سلخ
الجزء الكردي فلا بد ان يشجع ذلك على توسع هذه العملية بما
يؤدي الى سلخ أجزاء عديدة تعيش فيها أقليات اخرى. حتى الان
تستقوي كردستان بأمرين أساسيين. الأمر الأول داخلي، ويتمثل في
التمزق المذهبي والعنصري الذي يمرّ به العراق. اما الأمر
الثاني فخارجي، ويتمثل في الدعم الاميركي الواسع لمشروع
كردستان. والأمران ليسا ثابتين ولا دائمين. وبالتالي لا يمكن
المراهنة عليهما على المدى الطويل. فالعراق بدأ رحلة الألف ميل
لاستعادة وحدته وأمنه وهي رحلة لا تكتمل من دون شماله
الكردي.اما الولايات المتحدة فان دعمها للمشروع الكردي يسيء
اليه لأنها دولة محتلة. ثم ان لها تاريخاً حافلاً بالتخلي عن
حلفائها عندما تتطلب مصالحها ذلك. وكانت الحركة الكردية بقيادة
مصطفى البرازاني واحدة من ضحايا هذا التخلي في السبعينات من
القرن الماضي.
من هنا، لا بد من مراجعة كردية لعلاقات الأكراد مع الوطن
العراقي، ولعلاقاتهم مع دول الجوار: تركيا وإيران وسورية.
فكردستان حتى لو قامت في ظلّ الظروف القاهرة الحالية، لا
تستطيع ان تعيش وان تستمر وهي في حالة عداء مع كل هذا الجوار.
كذلك لا بد من مراجعة دول الجوار لمواقفها السلبية التقليدية
من حقوق الأكراد كشعب له خصوصيته العنصرية والثقافية والقومية.
ولا بد من إعادة النظر في الأنظمة والقوانين المحلية التي تفرض
قيوداً على حريته في التعبير عن هذه الخصوصية. ما كان الأكراد
ليذهبوا الى حد الانسلاخ الوطني والى إقامة مشروع دولتهم
المستقلة لو لم يشعروا بالعجز عن الحصول على حقوقهم في
المواطنة على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات مع سائر
المواطنين الآخرين.
ومن المؤسف ان هذه المشاعر لا تقتصر عليهم وحدهم ولكنها تكاد
تكون شائعة بل ومتأصلة بين الأقليات العديدة الأخرى في دول
المنطقة حيث يشكل البلوش ما يمكن تسميته بأكراد باكستان، وحيث
يشكل الأمازيغ (البربر) ما يمكن اعتباره أكراد الجزائر.
ان نجاح الأكراد في إقامة كردستان وطناً قومياً لهم لا بد ان
يشجع هؤلاء الآخرين على الاقتداء بهم، اسلوباً وهدفاً، الأمر
الذي من شأنه ان يثير مخاوف كل دولة على أمنها واستقرارها وعلى
سلامة وحدتها الوطنية. وبذلك يصبح الموقف السلبي من كردستان
تعبيراً سياسياً عن التمسك بالوحدة الوطنية في كل دولة تتواجد
فيها جماعات عرقية أو دينية متعددة وليس تعبيراً عن معارضة حق
الأكراد أو تجاهل ما لحق بهم من ظلم. ولانه من النادر ان تخلو
أي دولة عربية أو اسلامية من شكل من أشكال هذا التعدد، فانه من
النادر ايضاً ان نجد دولة عربية أو اسلامية متعاطفة مع قيام
كردستان أو مؤيدة لها.
وبالنتيجة فان انسلاخ كردستان عن الوطن العراقي يخرج من كونه
مشكلة عراقية داخلية، او حتى مشكلة اقليمية، ليصبح مشكلة عامة
تمتد من أندونيسيا حتى المغرب، ولو بأشكال وبصيغ متعددة.
من أجل ذلك يخشى أن يساء استخدام معاناة الأكراد وتوظيف
تطلعاتهم القومية المشروعة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على
قاعدة التقسيمات العنصرية ـ الدينية ـ المذهبية، وتبدو ملامح
هذا المشروع واضحة في السودان والعراق.. والبقية تأتي..
ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال