أكراد سوريا:
سيرة غير منجزة قومياً
المستقبل - الاحد 29 حزيران 2008 - العدد
3002 - نوافذ - صفحة 15
حسين جمّو
لا يذكر التاريخ ما قبل الاسلام وما بعده خضوع الأكراد لحكم
عربي مباشر حتى تاريخ نشوء دولتي العراق وسوريا بعد الحرب العالمية
الأولى وانهيار الدولة العثمانية، وبالتالي فإن العلاقات العربية ـ
الكردية "الحُكميّة" على أساس قومي هي علاقة غير تاريخية وغير
إيجابية كعلاقة الطرفين أثناء فترات الحكم الاسلامي التي شهدت
تداخلات مذهبية وثقافية غير متشنجة. وبما ان أكراد العراق وجدوا
منفذا لهم في حل إشكالية الخضوع لحكم عربي عبر الفيدرالية، فإن
الأكراد في سوريا ما زالوا يبحثون عن صيغة توافقية مع العرب تخرج
العلاقة السياسية الحديثة من ثنائية المسيطِر والمسيطَر عليه.
على غرار المناطق الكردية الأخرى، لا يوجد إحصاء دقيق لعدد الأكراد
في سوريا، إلا ان التقديرات غير الرسمية ترجح ما بين مليونين
وثلاثة ملايين كردي. وتتفق معظم الأحزاب الكردية في سوريا على نسبة
13 % من نسبة سكان سوريا، فيما ذهبت جبهة الخلاص الوطني التي أسسها
النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدّام أبعد من ذلك عندما
اعتمدت على نسبة 15% عند أي طرح للقضية الكردية. ويشكل الأكراد
الغالبية العظمى في شمال سوريا على امتداد 750 كم، بمحاذاة الحدود
مع تركيا، لكن بعمق بسيط لا يتجاوز في بعض المناطق بضعة كيلومترات،
لأن أصل هذه المنطقة هو عمق لمناطق كردستان تركيا باتجاه الجنوب
ذات الطبيعة السهلية، وتم ضم هذا العمق إلى الدولة السورية الناشئة
عبر اتفاق بين الفرنسيين والأتراك، وتم اعتماد خط سير القطار غير
المنجز كحدود بين سوريا وتركيا، ويمكن ملاحظة أن بعض البلدات
الحدودية منقسمة بين سوريا وتركيا وذلك لأن سكة القطار كانت تمر
وسط البلدة.
هذا الامتداد الجغرافي الواسع وضحالة عمقه، خلق مشكلة فريدة من
نوعها لأكراد سوريا، وهي عدم وجود جغرافية كبيرة متماسكة تجعل صيغة
حل الفيدرالية او الحكم الذاتي ممكنا في الظروف الراهنة. إضافة أنه
اوجد عدم توافق بين ما يستطيع الأكراد المطالبة به ضمن حدود
إمكاناتهم وبين ما يريدونه حقاً.
ومع انعدام وجود طرق مواصلات مباشرة بين المناطق الكردية الرئيسية
الثلاث في سوريا (الجزيرة ـ كوباني ـ عفرين)، برزت مشكلة ضعف
التواصل الاجتماعي في ما بينهم. فأكراد الجزيرة يعتبرون انهم أقرب
اجتماعيا وثقافياً للجانب المقابل من مدن كردستان تركيا مثل ماردين
أكثر من قربهم من أكراد منطقة عفرين (أقصى شمال غرب سوريا)، وغالبا
ما تكون ساحة التفاعل الرئيسية بين أكراد المناطق الثلاث تتم في
مدينتي حلب ودمشق وجامعاتهما، حيث يعيش نحو مليون كردي سوري في
هاتين المدينتين. ويمكن ملامسة مشكلة ضعف التواصل الذي خلق فوارق
اجتماعية أيضاً من عدم تمكّن أي حزب كردي سوري (12 حزبا) بناء نفوذ
متوازن في المناطق الثلاث للمناطق الكردية في سوريا باستثناء حزب
العمال الكردستاني الذي ينشط على اكثر من جبهة كردية.
رغم أن الحركة السياسية الكردية في سوريا تأسست عام 1957، إلا أنها
لم تدخل في أي مواجهة عنيفة ضد السلطة حتى آذار العام 2004، عندما
اندلعت مواجهات دامية مع قوات الأمن السورية عقب شغب في مباراة
رياضية قام به جمهور فريق عربي أبرز موالاته لصدام حسين، وأسفرت
هذه المواجهات التي أطلق عليها الأكراد كلمة (serhildan) أي
"الانتفاضة"، عن سقوط أكثر من ثلاثين كردياً على يد قوات الأمن.
خلقت هذه الأحداث واقعا جديداً لأكراد سوريا، أهم مظاهره انتقال
الأكراد من إطار المطالبة بالحقوق إلى إطار الاحتجاج على عدم تحقق
هذه المطالب التي تتلخص في الاعتراف الرسمي باللغة الكردية والسماح
بتعلم الأكراد بلغتهم في المدارس والجامعات السورية، وإعادة
الجنسية للمجردين منها والذين يصل عددهم إلى 250 ألف كردي، وتعويض
المتضررين الأكراد من مشاريع حكومية ذهبت فوائدها لعرب استقدمتهم
السلطة في المناطق المغمورة جراء إقامة سد الفرات، وتم إنشاء أكثر
من 30 قرية على طول 250 كم على الحدود السورية التركية في محاولة
لفصل الأكراد على جانبي الحدود بقرى عربية.
من ناحية اخرى، بالرغم من اندلاع الأحداث في منطقة الجزيرة، إلا
أنها سرعان ما انتقلت على امتداد الحدود السورية ـ التركية وفي كل
منطقة تواجد فيا الأكراد، مما يرسم إشارات استفهام عديدة حول كيفية
توحد هذه الجغرافيا الكردية المفككة في غضون ساعات ورغم ما ذكر
آنفاً من ضعف التواصل الاجتماعي. هنا يمكن الاشارة إلى ثلاثة عوامل
رئيسية ساهمت في خلق هذا الوقع الجديد لأكراد سوريا:
أولاً: انتشار وسائل الاعلام والاتصال الحديثة، حيث ساعدت الصور
شبه المباشرة التي كانت تبثها مواقع الانترنت الكردية وفضائية roj
TV (مقرها الدنمارك) في سرعة تفاعل الأكراد مع الاحتجاجات في مناطق
أخرى.
ثانياً: الواقع الاقليمي الجديد الذي تمثل بسقوط النظام العراقي
السابق وظهور الأكراد كقوة رئيسية على الساحة العراقية. وهذا
العامل كان له دور مزدوج، فمن ناحية أثار ذلك العرب السوريين
الموالين اجتماعياً للنظام العراقي السابق ضد الأكراد السوريين،
خاصة في المناطق الشرقية المحاذية للعراق، ومن ناحية ثانية شجع هذا
الواقع الاقليمي اكراد سوريا على التحرك لشعورهم بظهور قوة كردية
رسمية في العراق لن تتوانى عن مساعدتهم. وبالتالي يمكن القول إن
أكراد سوريا توحدوا خارج سوريا.
ثالثاً: الزيادة السكانية المرتفعة بين الأكراد وارتفاع نسبة
البطالة، وهو امر ربما لا يمكن التسليم به إلا بعد احصاءات شاملة،
لكن يمكن ملاحظة ارتفاع نسبة المواليد العائدة لفترة الثمانينات
التي كانت المحرك الأساسي للاحتجاجات الكردية، أضف ان هناك
ارتفاعاً أكبر في مواليد أعوام التسعينات، مما ينبئ ربما باحتمال
ظهور احتجاجات أكثر قوة في المستقبل المنظور، علماً ان بعد احداث
2004 شهدت المناطق الكردية عدة احداث اخرى مثل الاحتجاجات التي
حدثت عقب تشييع رجل الدين الكردي معشوق الخزنوي عام 2005 والتي
اتهمت فيها بعض الأحزاب الكردية السلطة بالترتيب لقتله، وآخر
الحوادث وقعت ليلة عيد النوروز الكردي (20 ـ آذار 2008) عندما
اطلقت قوى الأمن النار على المحتفلين فقتلت أربعة وجرحت عددا آخر.
حاليا، هناك وجهان للعلاقة الكردية ـ العربية في سوريا، الأول يحصر
المشكلة الكردية مع السلطة التي تعتبر مشكلة لكل السوريين حسب
أنصار هذا الاتجاه من العلاقة. والوجه الآخر من العلاقة هو توسيع
البعض لإطار المشكلة ليشمل بعض العرب، خاصة العشائر التي يعتبرها
الأكراد موالية للبعث العراقي والتي اعتدت أكثر من مرة على ممتلكات
الأكراد ومحالهم التجارية في مدينتي القامشلي والحسكة تحت انظار
قوى الأمن.
على هذين المحددين يقف مستقبل العلاقة بين الشعبين. وحقيقة الأمر،
ان إبعاد السلطة نفسها عن المسؤولية في تحمّل نتائج بعض الأحداث،
تنقل المشكلة إلى الساحات الأهلية (العربية ـ الكردية) وهو ما يمكن
ان يتكرر بصورة أكثر مأسوية في حال عدم التحول إلى دولة المواطنة
والمواطنين. والخطوة العاجلة التي ربما لا تحتمل التأخير هي إعادة
الجنسية للمجردين منها وتحقيق المطالب الكردية التوافقية مع الدولة
السورية مثل الاعتراف الدستوري بهم كقومية أصيلة ورفع الحظر على
اللغة الكردية، وتنمية المنطقة الكردية اقتصاديا بغية التخفيف من
نسبة البطالة والفقر التي تشكل الترياق النفسي الأكبر للشعور
بالنقمة والرغبة في الهروب بالجغرافيا إلى مكان آخر.