jindiręs.comJindiręs@yahoo.com  ar§if 2006

            

                     المرأة الكردية السورية  بين معاناة الواقع و تحدياته, و الطموح الساعي للتحرر
                                                                                                             هوشنك أوسي
 

« الأسد أسدٌ, ليثاً كان أم لبوة، ذكراً أم أنثى »
- مثل كردي-


مازال هذا القول الكردي المأثور الشائع يتوارده ويتناقله الكرد، منذ مئات السنين، جيلاً بعد جيل، و يُضرب هذا المثل للدلالة على نفي الفروق بين الرجل والمرأة, والتأكيد على وجوب التساوي بينهما.

في جلسة جمعتني مع بعض أصدقائي من الشباب الكرد, ضمَّت أطبَّاء وحقوقيين وأدباء ومهتمين بالشأن الثقافي الكردي, كان أحد أهم المحاور التي دار حولها النقاش في الجلسة, هو أهمية دور وواقع المرأة. فطرحت فكرة أثارت استغراب البعض وإعجاب البعض الآخر, حيث ذكرت: إن المرأة ليست نصف المجتمع, بل هي كل المجتمع. لأنها الدعامة المؤسسِة للمجتمع, والحاضنة الأولى لقيمه. وهي بوصلته نحو التقدم أو التخلف, ومعيار تطوره وتأخره الحضاري. ناهيكم عن كونها ملهمة الشعراء والفنانين من تشكيليين وموسيقيين. فلولا جمال وقدسية حوَّاء, لما استعذب آدم المعصية والوقوع في الإثم و الخطيئة..

سألني أحدهم: ماذا عنك..؟ وماذا تركت لنفسك يا رجل..؟

فأجبته: بالفعل, فالمرأة تتحمل معاناة أشهر الحمل, ثم الولادة, فالتربية. وبالتالي, فهي المُؤسِسة الأولى للوعي في مراحله البدائية. و ذلك بتلقين الطفل اللغة الأم...الخ. وبذلك تعتبر الحارس الأول على الهوية الجماعية القومية والدينية والوطنية للشعوب والأمم. أما الرجل, فهو عبارة عن إبرة تلقيح ليس إلا.

قد يعتبر الكثير أن هذا الرأي فيه ما فيه من اليوتوبيا أو الشِعر, لكنني أعتقد بصحته وصوابه، لكني لا أعتقد أن ثمة أحد يختلف معي في مدى وحجم المعاناة التي تعيشها المرأة الكردية السورية حتى الآن. فعلى الرغم من أن نظرة المجتمع الكردي للمرأة هي أكثر تقدمية وانفتاحاً من نظرة المجتمع العربي أو الفارسي للمرأة. ويتجلى ذلك في عادات وتقاليد الكرد المتوارثة في الأفراح والأتراح, بالإضافة للقصص والحكايات والأساطير المتوارثة عن المرأة الكردية, وعلى لسانها أحياناً, والتي تزخر بها خزينة التراث والأدب الشفهي الكردي. فمن جملة ما تظهره الأغاني الفلكلورية الكردية, خاصة منها المغناة على ألسنة النساء, والتي تتطرق لسرد قصص الحب العذري ذات النهايات التراجيدية, كيف تصف المرأة مفاتنها وتتغنَّى بأنوثتها وجمالها بمنتهى الحرية, وبلغة شعرية طلقة حرة وعذبة. وإن دلَّ ذلك على شيء, فإنما على مدى الحرية الذي كانت تتمتع به المرأة الكردية في المجتمع الكردي, قياساً بالمرأة في المجتمعات المجاورة, من جهة. ومن جهة أخرى, جرأة المرأة الكردية في التعبير عن ذاتها وما يعتمل في نفسها من اضطرابات و تحولات على الصعيدين النفسي والجسدي شعرياً. إلى جانب محافظتها الكبيرة على نفسها وصونها لعفتها وطهارتها. كونها تعي بأنها تمثل المحور الذي ترتكز عليه منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية والجمالية لدى الكرد, كالشرف والكرامة والأمانة والخيانة والعرض والمحبة والخير ...إلخ.

وفق ما تقدم نخلص إلى نتيجة مفادها أن المرأة الكردية لم تكن مقموعة ومضطهدة ومنغلقة في المجتمع الكردي بقدر ما كانت تعانيه المرأة العربية في المجتمعات العربية من قمع ممنهج وفق تأويلات دينية ذكورية الأصل، وقمع اجتماعي جنسي، وقمع سياسي واقتصادي يحمل الطابعين السابقين. لكن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نعتبر أن الانفتاح الاجتماعي الموجود حتى الآن في المجتمعات الكردية - قياساً بالمجتمعات المجاورة- قد قلل من حجم معاناة المرأة الكردية قومياً وسياسياً و ثقافياً و اقتصادياً, والتي هي جزء من معاناة الكرد ككل, جراء السياسات المطبقة بحقهم من قبل الأنظمة العربية والتركية والفارسية التي تتقاسم وطنهم كردستان. وللإحاطة بهذا الموضوع - أي واقع المرأة الكردية ومعاناتها - من عدة جوانب, سآخذ المرأة الكردية السورية نموذجاً, خاصة وأننا مررنا قبل عدة أيام باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة الذي يصادف 25 تشرين الثاني من كل عام.

المرأة الكردية السورية اجتماعياً...؟

على الرغم من أن بنى المجتمع الكردي السوري الزراعي الرعوي تستند على منظومة القيم الإقطاعية والقبلية بالإضافة للموروث الديني, إلا أن المرأة كانت تتمتع بمكانة حيوية وهامة في تكوين النسيج الاجتماعي الكردي مناصفة مع الرجل ماضياً وحاضراً. مع وجود بعض الحالات الشاذة الإقصائية الوصائية الرجولية عليها, والتي في غالبيتها غريبة عن الأنماط والأنساق المعيشية للكرد تاريخياً, والمعطى الاجتماعي والثقافي لها. كما أن معظم هذه المظاهر الشاذة الطارئة على الحياة الكردية مستمدة من التراث الإسلامي المشوَّه.

فالمرأة الكردية, خاصة المنتمية إلى الطبقات الأرستقراطية "باشوات, بكوات, آغوات.." كانت مخوَّلة بقيادة وإدارة شؤون القبيلة أو الإقطاع في حال غياب زوجها, إلى درجة أنها كانت تساهم في فضّ المنازعات والخلافات بين الأشخاص والعوائل والقبائل أحياناً. فزوجة الباشا أو الآغا كانت تمارس نفس صلاحيات وسلطات زوجها - مع بعض الفروق - أثناء غياب الزوج. أما في الطبقات الدنيا, فلم يكن ينظر للمرأة وكأنها ضلع قاصر أو مكسور, ومصدر للضعف وللعار أو الخطيئة, ومعرضة للانحراف أكثر من الرجل، كما في المجتمع العربي. و بالتالي فهي كانت قادرة على المشاركة في الحراك الاجتماعي دون توجيه ووصاية الرجل...الخ. فالسواد الأعظم من الكرد كانوا ومازالوا يشاورون بناتهم في مسائل زواجهن. أما حوادث الخطف التي كانت تحدث على خلفية رفض الأهل تزويج بناتهن من شخص تربطه بالبنت علاقة حب, فغالباً ما كانت تنتهي بالصلح بين العائلتين. ونادراً ما كانت تنتهي نهاية مأساوية كالقتل, بدعوى غسل العار.

وقد كانت المرأة تجالس الرجال سواء كانوا ضيوفاً غرباء أو أقرباء. تحاورهم وتتبادل معهم أطراف الحديث, مع حفاظها على مظاهر الحشمة والوقار في الكلام والملبس. كما أن حفلات الكرد حتى الآن مختلطة, يشارك فيها النساء والرجال من كل الأعمار, وعلى حدٍ سواء، على أن تشارك الفتاة أو المرأة المتزوجة في الرقص وذويها الأقربين دون الغرباء. وبالتالي فقد اعتبرت حفلات العرس الكردية ملتقى الشباب والفتيات كي يروا بعضهم أو يتعرفوا على بعضهم عن بُعد. وفي أغلب الأحيان ما كانت حفلات العرس تتمخض عنها قصص حب, أو حفلات عرس أخرى تليها، وهكذا دواليك. فعلى الرغم من أن مستوى الحريات الاجتماعية الممنوحة للمرأة لا يوازي أو يضاهي حريات الرجل, إلا أنها _ أي المرأة الكردية _ لم تكن تعاني من كبت اجتماعي شديد يدفعها للنزوع نحو الانحراف. و هذا ما يفسر انعدام مظاهر الانحلال الخلقي و الشذوذ الاجتماعي والجنسي...إلخ. ناهيكم عن انعدام وجود دور البغاء والدعارة, أو بيوت وبنات الهوى من الكرديات عموماً, فضلاً عن قلة جرائم الاغتصاب في المجتمع الكردي السوري, قياساً بالشرائح والنسج القومية المكونة للمجتمع السوري.

وغني عن التعريف, إن المرأة الكردية السورية لم تتوقف عند المكاسب التي استحوذت عليها من الرجل الكردي المذكورة أعلاه, بل حققت مكاسب اجتماعية أخرى كان من شأنها توسيع نطاق هامش الحرية الذي تتمتع بها سابقاً. وقد تحقق ذلك تحت تأثير عاملين رئيسين..

الأول.. مشاركتها في الحراك السياسي الكردستاني. وهذا ما سنتطرق إليه لاحقاً.

الثاني.. نمو و تطور الوعي الاجتماعي والمعرفي لدى شرائح وسعة من المجتمع الكردي السوري عموماً والمرأة الكردية خصوصاً, في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم، نتيجة لتصاعد و تيرة الحراك السياسي الكردستاني, بالإضافة إلى التحولات والمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثورة العلمية التي شهدتها المنطقة تحت تأثير ثورة التقانة والمعلوماتية والمتغيرات الدولة التي شهدها العالم، خاصة مع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة. وبتعبير آخر, تغيُّر أنماط المعيشة والإنتاج في المجتمع الكردي, أفرزت أنماط وأنساق جديدة من التفكير والوعي والسلوك لدى الجنسين في المجتمع الكردي السوري الذي يشكل حيّزاً هاماً من المجتمع الكردي ككل. لكن ينبغي أن نشير هنا، إلى بعض الآفات والإشكالات الاجتماعية التي مازالت موجودة وتعاني منها المرأة الكردية السورية, ومنها..

1- وجود نسبة كبيرة جداً من الأميَّة بين مواليد الخمسينات و الستينات من القرن المنصرم 2- ظاهرة تعدد الزوجات التي يشرعنها الموروث الديني. وبدورها تؤدي إلى انفلات النظام الأسري، مضافاً إليها تردي المستوى الاقتصادي والمعشي وتبعاته السلبية على كافة الصعد الاجتماعية والثقافية والتربوية...الخ, وما ينجم عن ذلك من انتشار الفقر والبطالة والأوبئة والآفات الاجتماعية.
3- ضعف الوعي الاجتماعي و الصحِّي الذي يكفل ضبط نظام الأسرة وتحديد النسل لخلق أسرة نموذجية ونمط معيشي معين اجتماعياً واقتصادياً وتربوياً، يؤمِّن مستوى معيشي مقبول لها, ضمن هذا الواقع الذي تنخفض فيه معدلات النمو الاقتصادي ومستويات دخل الفرد حتى وصلت إلى دون خط الفقر, وارتفاع نسبة البطالة في المجتمع الكردي السوري بشكل مضطرد ومخيف.
4- تدني مستوى الوعي الصحي والثقافة الجنسية، التي تتوخى محاذير ومخاطر زواج الأقارب وغيرها, وما قد ينتج عنها من حالات إجهاض متكررة أو ولادات مشوَّهة...الخ, خاصة في المناطق الريفية الكردية النائية.
5- ازدياد نسبة العوانس بين العازبات. نتيجة ارتفاع تكاليف الزواج التي تثقل كاهل الشاب بحكم الوضع الاقتصادي المتردي, الآنف الذكر، كونه اقتصاد زراعي موسمي, لا يستفيد منه إلا قلة قليلة من ملاك الأراضي, وبعض أرباب الحرف الصناعية المتعلقة بالزراعة, وبعض التجار الصغار. أما السواد الأعظم من الكرد فهم محرومون من ذلك، وبالتالي فارتفاع نسبة العوانس في المجتمع الكردي قد يؤدي بدوره إلى مشاكل اجتماعية ونفسية مستقبلية قد لا يحمد عواقبها على شخصية المرأة الكردية بالدرجة الأولى، مما قد يؤدي إلى حدوث خلل في بنية المجتمع الكردي السوري بالدرجة الثانية.
6- قلة وجود الوحدات والروابط النسائية الإرشادية في المدن الكردية, وانعدام وجودها في الأرياف والقرى الكردية. ناهيكم على اقتصار خدماتها على المنتسبات للحزب الحاكم بالدرجة الأولى وباقي الأحزاب العربية السورية الأخرى. وغني عن التعريف أنماط تفكير وسلوك المنظمات الشعبية والنقابات المهنية في سوريا.
7- بقاء عدد كبير منهن _ في محافظة الحسكة _ مكتومات القيد وغير مسجلات في سجلات النفوس والأحوال المدنية، على الإطلاق، كإنسانة أنثى مسلمة موجودة على قيد الحياة, مولودة من أب وأم وفق زواج شرعي مستوفي للشروط الشرعية والقانونية. وهذه الظاهرة المأسوية التي أصبحت الآن حالة, نجمت عن زواج امرأة كردية تحمل الجنسية السورية من كردي مجرد من الجنسية السورية, على خلفية الإحصاء الجائر الذي جرى سنة 1962. وطبعاً أفرزت هذه الحالة نتائج وتبعات اجتماعية ونفسية وحقوقية وخيمة, تنتظر الحل منذ عقود.
8- بقاء الكرديات اللاتي يحملن الجنسية السورية, عازبات حتى بعد مرور عقود من زواجهن من أكراد سوريين مجردين من الجنسية السورية, نتيجة الإحصاء المذكور. كون الزواج غير معترف به وفق القانون السوري.؟! بالإضافة إلى أن أولادها لا يسجلون لا في سجلات المواطنين السوريين، ولا في سجلات " أجانب محافظة الحسكة"..؟!

المرأة الكردية السورية اقتصادياً‍ ..؟

كان و مايزال للمرأة الكردية حضور ملفت ودور فاعل في الحراك الاقتصادي اليومي للكرد داخل المجتمع الكردي وخارجه, أعني في التجمعات الكردية في المدن الكبرى, كما في كل من مدينتي دمشق وحلب. وتحديداً في الطبقات الدنيا الكادحة "عمال, فلاحين, صغار كسبة...". وأغلب الأعمال التي تزاولها المرأة الكردية في الأرياف والمدن الكردية الصغير هي زراعية. كزرع و تعشيب وجني محاصيل القطن والعدس والحمص ...الخ, فضلاً عن بعض الأعمال القاسية التي تتطلب مجهوداً عضلياً كبيراً, كسقاية حقول القمح والقطن في فصلي الربيع والصيف. أو بعض الأعمال المرتبطة بالزراعة كتربية الماشية "ماعز, غنم, أبقار" والطيور الداجنة.

أما بالنسبة للمرأة الكردية الموجودة في المدن السورية_بسبب الهجرة بغية تحسين الوضع المعيشي _فغالبيتهن يزاولن الأعمال اليدوية والمهن الحرفية كالخياطة والتطريز، أو بعض المهن الحرة كبيع الملابس والإكسسوارات النسائية، أو العمل في بعض المعامل والمصانع والورش كمعامل المواد الغذائية ومصانع المواد البلاستيكية...الخ. ونسبة ضئيلة جداً تعمل ضمن دوائر ومؤسسات ومرافق الدولة. ويمكننا القول: إن المجتمع الكردي، بشكل عام، لم يضع خطاً أحمراً تحت حق المرأة في العمل, اللهم الأعمال المخلة بالشرف أو التي تخدش الحياء العام, فهذه الأعمال منبوذة وخطيرة وكارثية تجر على أصحابها المصائب والطرد من المجتمع. وأعزو انفتاح الكرد على حق المرأة في العمل لسببين رئيسين: الأول, الحرية الاجتماعية التي تتمتع بها، كما ذكر سابقاً. و الثاني, كون لعمل المرأة مردود اقتصادي يعود على رفع مستوى دخل المواطن الكردي. بالإضافة إلى أن المرأة الكردية نشيطة ومحبة للعمل, حيث تجد فيه شخصيتها وشراكتها الاجتماعية والاقتصادية للرجل في تسيير أمور العائلة مناصفة معه. لكن ينبغي أن نشير هنا إلى بعض المظاهر والتبعات السلبية التي تعاني منها المرأة الكردية السورية على الصعيد الاقتصادي...

أولاً- الاقتصاد الزراعي الموسمي, وشح الأمطار, وقلة المردود الزراعي الناتج عنه _ خاصة في محافظة الحسكة _ أدى إلى نشوء حركة نزوح كبيرة نحو المدن الكبيرة بغية الحصول على عمل. مما خلق حالة صِدام اجتماعي ثقافي نفسي لدى المرأة الكردية السورية نتيجة الاحتكاك مع واقع جديد مجهول، يصعب التأقلم معه والاندماج فيه.

ثانياً.. الأعمال المجهدة في الريف والمدينة وساعاتها الطويلة أثَّر على أدائها وواجباتها الأسرية مع زوجها وأولادها بشكل سلبي واضح. نتيجة الإرهاق والتعب الذين انعكسا سلباً في الاهتمام بنفسها وعائلتها.

ثالثاً.. الأعمال المجهدة وساعاتها الطويلة أثَّر بشكل سلبي جداً على صحة الفتيات الكرديات نفسياً وجسدياً, في وقت هن بأمس الحاجة فيه إلى الاستقرار والعناية الصحيَّة والنفسيَّة.

رابعاً.. وجود نسبة كبيرة من بينهن, ممن يحملن شهادات جامعية أو من المعاهد المتوسطة عاطلات عن العمل, خاصة من المجردات من الجنسية، مما يدفع الكثير منهن إلى مزاولة بعض الأعمال الحرفية اليدوية التي لا تتناسب وتحصيلهن العلمي.

خامساً.. بالرغم من الأهمية الاقتصادية الكبرى التي تتمتع بها المناطق الكردية في شمال سوريا, من حيث غناها بالثروات الزراعية والباطنية "بترول, غاز..." والحضارية التاريخية,إلا أنها مهمشة ومغبونة اقتصادياً. وذلك لعدم وجود مشاريع ومنشآت ومؤسسات صناعية ضخمة توازي الأهمية الاستراتيجية لهذه المحافظة. كي تستوعب الطاقات البشرية العاطلة عن العمل من أهالي المنطقة الكرد خصوصاً، وكافة الشرائح الأخرى عموماً. تكون عوناً لهم على تحسين مستوى معيشتهم, وتحول دون هجرتهم وتركهم لمناطقهم الغنيَّة والتشرد في أحياء ومناطق السكن العشوائي التي تحيط بالمدن الكبيرة كدمشق. هذا الإهمال والتهميش المقصود والممنهج له خلفياته ومراميه السياسية الغنية عن التعريف.

هذا الوضع السياسي الاقتصادي المتدهور زاد من أعباء ومعاناة المرأة الكردية, وجعلها تواجه الفاقة والعوز والفقر المدقع وتبعاته ومضاعفاته على كافة الأصعدة. ولعل من السخرية أن يعيش المرء فقيراً جائعاً في منطقته التي تعجُّ بالكنوز الطبيعية والحضارية. أو بالأحرى يتعرض لسياسة تجويع وإفقار ممنهجة ورسمية، فقط لكونه ينتمي إلى الأقلية المنبوذة.

المرأة الكردية سياسياً ..؟

ربما يكون الجانب السياسي هو الأكثر استحواذاً على اهتمام المرأة الكردية السورية مؤخراً, خاصة في العقدين الأخرين من القرن الماضي. وهذا الاهتمام لم ينجم عن فراغ أو لزوم الترف والبهرجة الاجتماعية. بل له خفيات تاريخية تؤكد حضور المرأة في الانتفاضات والتمرادت الكردية على السلطنة العثانية, وبعدها على الجهورية التركية الحديثة التي تأسست عام 1923. ولعل الاهتمام الأخير والملفت للمرأة الكردية السورية بالحراك السياسي الكردستاني عموماً، والكردي السوري خصوصاً، ناجم عن عدة أسباب أهمها:
أولاً. الاضطهاد القومي الذي يعاني منه الكرد في كافة المجالات وعلى كافة الأصعدة, في بلادهم المقسمة الموزعة على أربعة دول. هذا الاضطهاد الممارس والملموس يومياً, هو الذي كان يغذي لديها نزعة التمرد على الواقع بغية تغييره نحو الأفضل.

ثانياً. توقها للحرية والانعتاق من القيود الاجتماعية والدينية التي تعيق وتعرقل حركة نشاطها وممارسة دورها في كل مناحي الحياة بحرية. وبالتالي, فقد كانت تربط حريتها كشخص بحرية قومها. وكانت تعتبر أن الأنظمة الاستبدادية التي تحكم الكرد هي التي تبقي على المفاهيم والعادات المشوهة التي تحد من شأن المرأة وتحجّم دورها. وهي التي تحافظ على بقاء هذه الرؤى القمعية الضيقة الاجتماعية والدينية مستشرية في المجتمع الكردي.

المرأة الكردية ثقافياً ..؟

الكرد مدينون لنسائهم كونهن اللاتي لعبن الدور الأبرز والأكثر أهمية وحيوية في الحفاظ على اللغة والثقافة الكرديتين من الاندثار والزوال. نتيجة السياسات القمعية وعمليات الصهر والتذويب الممارسة بحقها. وصولاً لإلغاء الهوية القومية للكرد أو طمسها على أقل تقدير. وبالتالي تشويه الشخصية الكردية وتدميرها من الداخل وفي العمق. فلا يخفى على أحد دور المرأة في تلقين الطفل لغته الأم منذ نعومة أظفاره، وتزويده بآداب الحديث والسلوك. وبالتالي فهي المعلمة الأولى التي تؤسس وعي الطفل وتكسبه شخصيته القومية عبر ثقافتها الشفهية التي تزوده بها. فكم من أم كردية متزوجة من عربي, جعلت من أولادها كرداً. من حيث التكوين النفسي والمعرفي الأولي لشخصيتهم. و كم من أم عربية متزوجة من كردي, جعلت من أولادها عرباً، بنفس الطريقة العفوية الفطرية التي تملكها المرأة.

و معروف عن الكرديات حبهن للغناء والرقص الشعبي الكرديين، ومن هنا كان إسهامهن في رفد الثقافة الكردية _خاصة الشفهية_ بإبداعاتهن الفنية من الغناء الكردي الملحمي الذي يتطرق لملاحم الحب كملحمة "مم و زين" و"سيامند و خجيه"...الخ. كما أن المجتمع الكردي لم يقف حجر عثرة أمام غناء المرأة بشكل عام, باستثناء بعض الحالات الشاذة. فاشتهرت من المغنيات الكرديات في بدايات القرن الماضي المغنية الفنانة الراحلة "مريم خان"، وفي منتصفه الفنانة الراحلة "عيشاشان"، وحالياً الفنانة "كلستان"، وكثيرات غيرهن.

أما الكردية السورية, فهي كالكردي السوري , مازالت تعاني الأمرِّين من السياسات القمعية التي تمارس بحق ثقافتها ولغتها. فهي محرومة من حقها في تعلم لغتها الأم والكتابة والنشر بشكل رسمي وقانوني, تحت طائلة الملاحقة والمساءلة الأمنية, والتعرض للعقوبة والإهانة جرَّاء ذلك. وبالتالي فهي مازالت تحت وطأة الأجواء والمناخات البوليسية المانعة لأي فعل ثقافي كردي بشكل رسمي حر. وهذا ما جعل مشاركتها في الحراك الثقافي قليلة جداً, إن لن تكن شبه معدومة، ومقتصرة على الطبقات الأرستقراطية في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم, مثل الكاتبة الراحلة "روشن بدرخان"، وبعد ذلك برز اسم الشاعرة "كجا كرد" في منتصف السبعينات، ثم اسم "ديا جوان" في منتصف الثمانينات. و حالياً, تزخر الأوساط الثقافية الكردية و المشهد الثقافي الكردي بأسماء نسائية مبدعة, خاصة في حقلي التشكيل و الأدب. ففي الفن التشكيلي هنالك كل من الفنانات: شكران بلال, نارين زلفو, خديجة شيخ بكر, وجدان ديركي و خناف صالح...الخ. أما في الأدب, فقد برز أسماء كل من الكاتبات و الشاعرات: دلشا اليوسف, آخين ولات, جانا سيدا, باران بارافي, بيوار إبراهيم, ديلان شوقي, آناهيتا, شيرين كيلو, بهية مارديني, بيريفان ديركي ...الخ، وغالبيتهن يكتبن باللغتين العربية والكردية. والآن هناك الكثير منهن ينشطن في الفرق الشعبية الكردية التي تقدم عروضها في احتفالات عيد النوروز. حيث تشترك في الغناء والعزف والعروض المسرحية الكوميدية والتراجيدية.

والجدير ذكره هنا, إن نسبة الأمية قليلة جداً بين مواليد منتصف السبعينات وبداية الثمانينات منهن. وقد حصلت أعداد مقبولة على إجازات من الجامعات والمعاهد المتوسطة في كافة ميادين العلوم التطبيقية والإنسانية. ومن الأهمية بمكان أن نشير هنا, إلى أنه لم تحصل أية فتاة كردية على مرتبة علمية أكاديمية عالية تخولها أن تكون عضوة في الهيئة التدريسية في الجامعة، أي لم تحصل أي منهن على درجة الدكتوراه، حتى الآن. لكن هنالك منهن من يحضرن حالياً لنيلها كالسيدة هوزان أحمد خليل المقيمة في باريس، وذلك في حقل التربية وعلم النفس.

وعلى ضوء ما سبق, فالمرأة الكردية السورية تحاول أن تجعل من حضورها الثقافي موازياً لحضورها السياسي ومتماهياً معه. وهي مازالت تعاني من مظاهر وتبعات الوضع الاستثنائي، البعيد كل البعد عن المواثيق والشرائع الدولية، الذي يعاني منه الكرد السوريون عموماً. بدءاً بالحرمان من حقوق المواطنة والجنسية وانتهاءاً بممارسة حقوقها الثقافية. وهي مازالت تحاول اجتياز الواقع عبر بناء الذات سياسياً وثقافياً واجتماعياً...الخ، والسير بخطى _ولو بطيئة_ نحو طموحها بالحياة الحرة الكريمة.