|
الى أسطورة
الكلمة الكردية أحمد خاني
في الذكرى الثلاثمائة لوفاته
جيان الحصري
في مدينة بيازيد ، التي أخذت مكانها على صدر منطقة هكاري بكردستان
تركيا المضطجعة في أحضان الجبال الشاهقة ، والمتزينة بأبهى حلة من
السندس والياسمين ، وبأشجار الصنوبر والسنديان ، أضافت الحياة الى
قائمة المشردين طفلاً آخر ، مشرداً جديداً زاد في صفوف الفقراء
والجائعين ، هو ( أحمد خاني ) ، أبن الشيخ ( ألياس خاني ) الذي نسبه
بعضهم ، اعتماداً على لقبه ، الى عشيرة ( خانيان ) ، التي لم يحددوا
موطنها بصورة قاطعة .
إلا أن محمد أمين بوز أرسلان ، مترجم ( مم وزين ) الى اللغة التركية ،
ينسبه الى قرية ( خان ) بالقرب من مدينة بيازيد وهو أقرب الى الصواب ،
لأن انتسابه الى تلك العشيرة ( خانيان ) يستدعي أن يكون لقبه ( خانياني
) وليس خاني .
نعم ولد ...ولد أحمد جائعاً ، عارياً كغيره من أبناء الفقراء ، حتى إن
أحداً لم يبال به ، فيدون يوم مولده . مما أدى الى اختلاف كبير من قبل
من جاء بعده في تحديد ذلك اليوم الذي شهدت شمسه ولادة طفل غير عادي ،
سوف يغدو شاعراً كبيراً ، وعبقرياً فذاً وصوتاً من أصوات الحق ينادي
بحرية شعبه ووطنه فالمؤرخ محمد أمين زكي يحصر ولادته بين سنتي 1000-
1061للهجرة (1650 )م . } 1 {
والدكتور عزالدين مصطفى رسول يجعل سنة 1650م تاريخاً لميلاده } 2 {
بينما ورد في مقدمة مفكرة هاوسر ، المطبوعة عام 1996م ص 11 في مدينة
السليمانية ما يفيد أنه ولد سنة 1061هجرية المقابلة لسنة 1650م } 3{ .
ويؤكد محمد أنور علي على أن مولده كان في سنة 1061هجرية } 4{ .
ولكن خاني بعد أن أشتد عوده ، وشب لعله أدرك أنه قد غد ظاهرة أدبية
وفلسفية ، سوف تحكي عنها الأجيال القادمة ، فبادر الى نبش الذاكرة من
أعماقها ، عسى أن يستخرج منها تلك السنة التي فتح فيها عينيه ، ليرى
نفسه بين جموع الفقراء ، فقال في ختام ديوانه ( مم وزين ) ما يدل على
مولده .
هكذا ...لما أنفك من الغيب
كان التاريخ ألفاً وواحداً وستين }5 { .
ومما لا شك فيه أن هذه الإشارة منه أكثر دلالة على صواب مما أورده
آخرون حول سنة ولادته، إن هذا الخلاف حول تاريخ ولادته ، ليشير في بعض
جوانبه الى تواضع منبته الاجتماعي وانتسابه الى الفقراء ، إذ لو كان
الأمر غير ذلك ، أو لو كان ينتسب الى أحدى العوائل المتنفذة الكبيرة ،
لهرع كثيرون من معاصري ولادته الى تدوين ذلك اليوم الذي فتح فيه عينيه
الى الحياة . ومما يرجح هذا الاعتقاد ، أنه يقول في معرض تقديم القصة
الى الناس : ص 12
أنا عطار ولست بائع جواهر
أنا قد غرست نفسي ، ولم يعن بتربيتي أحد
جبلي أنا ، من هذه السفوح
وهذه الكلمات تنبع من صميمي الكردي . ص 12 } 6{ .
ولا يمكن أن نعتبر هذه الكلمات شيئاً من باب التواضع ، فان الخط الفاصل
الذي يضعه ( خاني ) دائماً بين الفقراء والأغنياء ، ثم وقوفه بثبات الى
جانب الفقراء ، وكرهه الشديد للمال فيقول :
لا تحب المال يا من ملكت اسماً طيباً
إن حبه يشوه اسم الإنسان
أماناً لا تكن للمال حارساً } 7 { .
وكذلك رأيه في أن المال سبب للنزاعات والحروب فيقول :
هكذا رأينا العالم
حروباً ونزاعات من أجل المال . ص 13 - } 8{ .
ووقوفه ضد الحكام الظالمين ودعوته الى الابتعاد عنهم كما سوف نرى في
سياق البحث ، وكل ذلك يدل على انحداره الاجتماعي ، ومنبته الطبقي
المتواضع . كغيره من أبناء عصره ، تلقى خاني علومه الأولى في الكتاتيب
والجوامع ، على أيدي شيوخ زمانه ، ثم في مدارس التي كانت متوفرة آنذاك
في المدن الكبيرة ، مثل بدليس وتبريز ، حيث ظهرت عليه علائم النبوغ
مبكرة ، وهو لم يتجاوز الربيع الرابع عشر من عمره ... وسعياً وراء
المزيد من العلم ، زار مدناً كثيرة ، وتجول فيها ، وأقام في مرا بعها
ردفاً من الزمن ، مثل الأستانة ( اسطنبول ) ودمشق ، كما زار مصر أيضاً
فاطلع على علوم عصره .
وتلقف خاني العلوم فجمع بين الأدب ولا سيما الشعر ، والفقه الإسلامي
والتصوف ، فذاعت شهرته مقرونة بالثقافة الواسعة ، والمعرفة العميقة في
الأمور الأدبية والفلسفية والدينية ، وفي هذه الفترة من التاريخ كانت
كردستان ملعباً من ملاعب الصراع بين الدولة العثمانية ، والدولة
الصفوية ، اللتين قسمتاها بينهما آثر معركة ( جالديران ) الشهيرة سنة
1514م ، وراحت كل منهما تحاول أن تضم إليها الإمارات الكردية ، فكانت
الدماء الكردية تراق مدراراً على الرغم من أنه لم يكن للأكراد في كل
ذلك شأن وطني أو أنساني ، بل كانت الخسارة تحصدهم في كلتا الحالتين .
وكان خاني يتأمل هذا الواقع المتردي ويقلبه على كل أوجه ، عسى أن يجد
فيه بعضاً مما يستحق أن تراق ، من أجل الوصول إليه ، هذه الدماء ، ولكن
لم يجد في كل ذلك شيء مما يخص الأكراد في أمور حياتهم ، بل عليهم
الطامة ، وضياع البلاد ، ولعل ذلك الواقع المرّ ، بل ولادته في خضمه ثم
تأمله فيه ، وتفاعله معه وانفعاله به ، كان من أهم عوامل تكوينه الفكري
.
كانت اللغات العربية والتركية والفارسية بالإضافة الى اللغة الكردية هي
اللغات السائدة في المنطقة ، آنذاك ، فأنكب خاني عليها جميعاً ، وغرف
من معينها الى أن أتقنها كلها ، ثم ألتفت الى الأطفال ، فجسد حبه لهم
من خلال تعليمهم وتلقينهم مبادئ اللغتين الكردية والعربية ، فوضع
قاموسه الكردي العربي ، الذي خصهم به ، حتى أسماه ( الربيع الجديد
للصغار ) . ص 14 وراح يفتح المدارس ، ويتطوع للتعليم فيها بنفسه دون
مقابل ، مجسداً بذلك حبه لشعبه . } 9 { .
وعلى الرغم من تمكنه من اللغات العربية والتركية والفارسية ، نراه قد
أثر أن يكتب مؤلفاته باللغة الكردية ، وما ذلك إلا استجابة لصوت نابع
من أعماقه ، يناديه باسم شعبه ، ويدفعه الى اتخاذ هذا الموقف ، ليؤكد
بذلك مساهمة الأكراد في بناء الحضارة الإنسانية . فخلف من بعده أروع ما
كتب في الأدب الكردي ، مبدعاً الشعر القصصي في هذا الأدب وذلك من خلال
( مم وزين ) ديوانه الذائع الصيت الآن في الشرق والغرب ، والمنتشر بين
الآداب العالمية ، كما ترك بالإضافة الى الديوان مجموعة من الكتب لم
يعرف منها إلا عدد قليل بالإضافة الى ذلك له رباعيات نظمها باللغات
العربية والفارسية والتركية والكردية ، بحيث جاء كل بيت بإحدى اللغات
الأربع ، ولم تطبع حتى الآن وقد أثبت الكاتب ( عبد الرقيب يوسف في
كتابه القيم الديوان الكردي ) ستاً منها وهي } 1- الربيع الجديد
للصغار : يقع في 37 صفحة وهو معجم كردي عربي .2- عقيدة الإيمان : قصيدة
شعرية في ( 70 ) بيتاً بالكردية طبع في دمشق من قبل الملا محمد رمضان
البوطي ملحقة بالكتاب ( نهج الأيام ) للملا خليل الأسعردي الكردي كما
ورد ذكرها في كتاب ( الهدية الحميدية في اللغة الكردية ) 3- يوسف و
زليخة : وهي مستمدة من القرآن الكريم نظمها سنة 1697م ولم تطبع حتى
الآن وتوجد منها نسخة عند سيف الدين الخزنوي ونسخة أخرى لدى الشيخ
ممدوح البريفكاني ونسخة غير كاملة في حوزة ورثة محمد علي عوني في
القاهرة . 4- قصة مجنون ليلى : ثمة من يجزم بوجود هذه القصة بين مؤلفات
خاني ألا أن باحثين آخرين ينفون ذلك . 5- ديوان شعر متنوع المواضيع :
قصائد في الفلسفة والغزل الصوفي والوطنية لم تجمع حتى الآن وهي موزعة
لدى بعض المهتمين . 6- مم وزين : أروع ما وصلنا منه تقع في ( 2655 )
بيتاً مقفى { } 10 { .
لقد جعل خاني حياته مزدانة بكل ما في مكتبة عصره من علوم ، حتى أصبح
ظاهرة أدبية وفلسفية ، فجمع حوله الكثيرين ممن جاؤوا بعده من الأدباء
الأكراد وكتابهم وشعرائهم . ويبدو أن المدينة التي أنجبته ، قد استأثرت
به طيلة حياته ولم تستغن عنه ألا لبعض الوقت وأثرت أن يوارى في ثراها ،
فأختطفه يد المنون في مدينة بيازيد مسقط رأسه سنة 1708م .
إلا أنه كما أختلف الباحثين في تاريخ ولادته ، كذلك كثر الخلاف في
وفاته ، فقد ذكر ( كيو موكرياني ) في مقدمة طبعة أربيل لكتاب ( مم وزين
) ، أنه توفي سنة ( 1135هجرية 1723م . {11} (
ألا أن محمد أنور علي قد توصل على حد قوله الى رأي حديث حول وفاته
، وذلك بالاعتماد على جملة ( طار خاني الى ربه ) التي كتبت في عصر
الشاعر بقلم أحد معاصريه يؤرخ وفاته بها ويحلل محمد أنور هذه الجملة
المعتمدة على - ص15- النظام الأبجدي ليرى النتيجة تقابل سنة ( 1738م )
ثم يقول ( وهو الرأي المعتقد حديثاً ) ولكن ربما محمد أنور قد أخطأ في
نقل الجملة التي أعتمد عليها والموجودة في مقدمة طبعة عام 1958م لديوان
الشاعر ( ملا جزيري ) حيث ورد فيها لقب ( خاني ) غير مقرون بهذه الأداة
( إل ) وهو الصواب فيما يعتقد ، لأن الأسماء الكردية لا تقرن بهذه
الأداة الخاصة باللغة العربية . وها نحن نورد تحليلا لجملة ( طار خاني
الى ربه ) .
ط - ا- ر خ ا ن ي ا ل ى ر ب ه
9 + 1 + 200 + 600 + 1 + 50 + 10 + 1 + 30 + 10 + 200 + 2 + 5 + = 1119
لنصل بجمع الأرقام المقابلة للأحرف الواردة في تلك الجملة الى الرقم (
1119 ) أي أن خاني قد توفي سنة 1119 هجرية التي تقابلها سنة ( 1708م )
}12{ .
توفي خاني - رحمه الله في بيازيد تاركاً وراءه أرثا أدبياً ، ومدرسة
تخرج منها الكثيرون ممن جاؤوا بعده ، يحيون بذلك ذكرى إنسان وهب حياته
لخدمة شعبه ، فغدا نجماً ساطعاً في سماء الأدب الهادف ، يزداد وهجه
أكثر فأكثر كلما تعمقنا في دراسة أثاره الأدبية ولا سيما ديوانه الخالد
( مم وزين ) . } 13 { .
**********************************************************
بعض المصادر والمراجع :
خلاصة تاريخ الكرد وكردستان : محمد أمين زكي .
الواقعية في الأدب الكردي : تأليف الدكتور عزالدين مصطفى رسول ص 65 .
مفكرة هاوسر طبعة مدينة السليمانية سنة 1996م ص 11 .
فلسفة التصوف في ديوان مم وزين للشاعر أحمد خاني : محمد أنور علي
رسالة الماجستير ص 7 .
مم وزين : أحمد خاني طبعة موسكو عام 1962م .
مم وزين : المصدر نفسه ص43 الأبيات بين 355 356 .
مم وزين : المصدر السابق ص 132 الأبيات بين1650 1651 .
مم وزين : المصدر السابق ص 36 الأبيات 258 .
الدكتور قانات كردوييف : مم وزين طبعة موسكو المقدمة ص 12.
أحمد خاني في الملحمة الشعرية مم وزين : حيدر عمر مطبعة العجلوني
الطبعة الأولى عام 1991م حلب .
مم وزين : تأليف كيو موكرياني - مقدمة طبعة أربيل .
فلسفة التصوف في ديوان مم وزين للشاعر أحمد خاني : المصدر السابق .
مم وزين : أحمد خاني المصدر السابق ص 15- 16 .
|